هل مستقبل ارتفاع الدولار مشكوكًا فيه؟ فرص التداول في تقلبات أسعار الصرف بين 2025 و2026

تلعب الدولار الأمريكي دورًا حاسمًا في النظام النقدي الدولي، حيث إن ارتفاعه أو انخفاضه يؤثر مباشرة على تدفقات رأس المال العالمية وأسعار السلع الأساسية. مع اقتراب عام 2026، أصبح مستقبل ارتفاع الدولار أكثر تعقيدًا — فهو يواجه ضغوطًا من تخفيضات أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية، وفي الوقت نفسه قد يحظى بدعم من المخاطر الجيوسياسية. لفهم هذه الظاهرة المتناقضة، نحتاج إلى تحليل الآلية الأساسية لأسعار صرف الدولار.

عوامل تحديد قوة وضعف الدولار: العلاقة الثلاثية بين المؤشر، سعر الصرف وسياسات البنوك المركزية

المعنى الأساسي لسعر صرف الدولار هو قيمة العملة الأجنبية مقابل الدولار. على سبيل المثال، زوج اليورو/الدولار (EUR/USD) يمثل كم دولارًا يساوي يورو واحدًا. عندما يرتفع EUR/USD من 1.04 إلى 1.09، فهذا يعني أن استبدال يورو واحد يتطلب المزيد من الدولارات، مما يدل على ارتفاع قيمة اليورو مقابل انخفاض الدولار؛ والعكس صحيح، فذلك يشير إلى ارتفاع الدولار مقابل انخفاض اليورو.

مؤشر الدولار الأمريكي (DXY) هو أداة تقييم شاملة لقوة الدولار، يُحسب بوزن أسعار صرف ست عملات رئيسية عالمياً (اليورو، الين الياباني، الجنيه الإسترليني، الدولار الكندي، الكرون السويدي، الفرنك السويسري) مقابل الدولار. تقلبات DXY تعكس مباشرة اتجاهات ارتفاع أو انخفاض الدولار مقابل هذه العملات.

ومع ذلك، فإن تغيّر DXY لا يتطابق دائمًا مع توجهات السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. فعندما يخفض الأمريكيون أسعار الفائدة، من الناحية الظاهرية، ينبغي أن يضعف الدولار، لكن إذا كانت تخفيضات البنك المركزي الأوروبي أكبر، فقد يقوى الدولار مقابل اليورو، والعكس صحيح. لذلك، تحليل ما إذا كان الدولار سيرتفع أو ينخفض يعتمد بشكل رئيسي على مقارنة سياسات البنوك المركزية في الولايات المتحدة وغيرها من الاقتصادات.

تطور دورات الدولار الثمانية: من نظام بريتون وودز إلى الآن

منذ انهيار نظام بريتون وودز في عام 1971، مر الدولار بثمانية دورات كاملة من الارتفاع والانخفاض، كل منها يعكس الأوضاع الاقتصادية والسياسات في تلك الفترة.

المرحلة الأولى: عصر الانحدار (1971-1980) بعد إعلان نيكسون عن انتهاء نظام الذهب، تحرر سعر الذهب مقابل الدولار، ودخل الدولار في مسار تراجع. تزامن ذلك مع أزمة النفط وارتفاع التضخم، حيث هبط مؤشر الدولار من أعلى مستوياته إلى أقل من 90، مسجلًا أدنى مستوى له آنذاك.

المرحلة الثانية: الانتعاش القوي (1980-1985) اتخذ رئيس مجلس الاحتياطي السابق بول فولكر سياسة رفع أسعار الفائدة بشكل حاد، حيث رفع سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية إلى أعلى مستوى تاريخي (20%)، ثم حافظ على مستويات عالية بين 8-10%. نجحت هذه السياسة في كبح التضخم، وارتفع مؤشر الدولار إلى أعلى مستوى له في عام 1985.

المرحلة الثالثة: سوق الدببة الطويل (1985-1995) توسعت عجز الميزانية الأمريكية والعجز التجاري بشكل متزامن، ووسط ظاهرة “العيوب المزدوجة”، دخل الدولار في دورة هبوط طويلة، مع ضغط مستمر على سعر الصرف.

المرحلة الرابعة: الانتعاش خلال عصر الإنترنت (1995-2002) قاد بيل كلينتون الولايات المتحدة إلى ثورة تكنولوجيا المعلومات، مما أدى إلى نمو اقتصادي كبير وتدفق رؤوس أموال دولية هائل إلى أمريكا، مما دفع مؤشر الدولار لاختراق مستوى 120.

المرحلة الخامسة: صدمة الأزمة المالية (2002-2010) بعد انفجار فقاعة الإنترنت، ضعف الدولار، ومع أحداث 11 سبتمبر وسياسات التيسير الكمي المستمرة، أدت الأزمة المالية العالمية في 2008 إلى هبوط مؤشر الدولار إلى حوالي 60، وهو أدنى مستوى تاريخي.

المرحلة السادسة: التعافي من الملاذ الآمن (2011-2020) أدى تفشي أزمة ديون أوروبا وانهيار سوق الأسهم في الصين إلى عودة المستثمرين إلى الولايات المتحدة بحثًا عن الأمان، مع إشارات متكررة من الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة، مما أدى إلى ارتفاع مؤشر الدولار وظهور قوة واضحة.

المرحلة السابعة: صدمة جائحة كوفيد-19 (2020-2022) خلال جائحة كورونا، خفضت الولايات المتحدة سعر الفائدة إلى الصفر وبدأت في تنفيذ سياسة التيسير الكمي غير المحدودة، مما أدى إلى طباعة كميات هائلة من النقود، وارتفاع التضخم، وانخفاض مؤشر الدولار، مع مخاطر ركود عالمي.

المرحلة الثامنة: التعديلات الجذرية (2022-2024) ردًا على التضخم الجامح، بدأ الاحتياطي الفيدرالي في رفع أسعار الفائدة بشكل غير مسبوق خلال 25 عامًا، وبدأ في تنفيذ سياسة التشديد الكمي (QT). على الرغم من نجاحه في كبح التضخم، إلا أن أساسيات الثقة في الدولار تواجه تحديات — فارتفاع الفائدة يجذب رؤوس الأموال، لكن التشديد المفرط قد يهدد النمو الاقتصادي ويزيد من احتمالات الركود.

دوافع وموانع ارتفاع الدولار: المتغيرات الحاسمة في 2026

مع اقتراب عام 2026، يقف مستقبل ارتفاع الدولار عند مفترق طرق. الدوافع المحتملة لارتفاع الدولار تنبع من ثلاثة عوامل رئيسية:

تصاعد المخاطر الجيوسياسية: التوترات الدولية (مثل الصراع في مضيق تايوان) تثير طلبات الملاذ الآمن، مما يدعم ارتفاع الدولار. التاريخ يُظهر أن الدولار، كأكبر عملة احتياطية، غالبًا ما يكون الخيار الأول للمستثمرين عند تصاعد المخاطر العالمية.

البيانات الاقتصادية القوية: إذا استمرت بيانات التوظيف والنمو الأمريكية في التفوق، قد تؤدي إلى تأجيل توقعات خفض الفائدة، مما يدعم الدولار ويؤدي إلى ارتفاعه.

تيسير السياسات النقدية في اقتصادات أخرى: إذا خفضت البنوك المركزية في أوروبا أو اليابان أسعار الفائدة أكثر من الاحتياطي الفيدرالي، فسيكون ارتفاع الدولار مقابل تلك العملات أمرًا حتميًا.

أما الموانع لارتفاع الدولار فهي تشمل:

تعمق دورة خفض الفائدة: إذا استمر الاحتياطي الفيدرالي في خفض الفائدة في 2026، فإن عوائد السندات الأمريكية ستواصل الانخفاض، مما يقلل من جاذبية الدولار.

تسريع عملية تقليل الاعتماد على الدولار عالميًا: مبادرات دول البريكس لتشجيع التسويات بعملاتها المحلية قد تقلل بشكل تدريجي من مكانة الدولار كعملة احتياطية.

تدهور وضع الدين الأمريكي: إذا تعرضت مزادات السندات الأمريكية لرفض أو تم تخفيض التصنيف الائتماني، فإن الثقة في الدولار ستتضرر.

توقعات أزواج العملات الرئيسية: آليات وموانع ارتفاع الدولار

زوج اليورو/الدولار (EUR/USD): توقعات هبوطية للدولار

ارتباط زوج اليورو/الدولار عكسياً بشكل كبير مع مؤشر الدولار. حالياً، يتداول الزوج بين 1.08 و1.09، وإذا استمرت سياسة البنك المركزي الأوروبي في الحذر، وواصل الاحتياطي الفيدرالي خفض الفائدة، فإن ارتفاع اليورو سيدفع الزوج لمزيد من الصعود، مما يعني تراجع الدولار. فقط في حال تحسن البيانات الاقتصادية الأمريكية أو تصاعد المخاطر الجيوسياسية، قد يتغير الاتجاه.

زوج الجنيه الإسترليني/الدولار (GBP/USD): دعم نسبي للجنيه

من المتوقع أن يكون خفض الفائدة من قبل بنك إنجلترا أبطأ من الاحتياطي الفيدرالي، مما يمنح الجنيه دعمًا نسبيًا. من المتوقع أن يتداول الزوج بين 1.25 و1.35، مع احتمال أن يختبر مستوى 1.40 في حال تزايد الفروقات الاقتصادية والسياسية بين البلدين، مع ضرورة الحذر من التغيرات السياسية وتقلبات السوق.

الدولار مقابل اليوان الصيني (USD/CNH): ضغط محدود على ارتفاع الدولار

تتأثر حركة USD/CNH بالفروقات في السياسات بين الولايات المتحدة والصين. رغم أن خفض الفائدة الأمريكية قد يدفع الزوج للارتفاع، إلا أن تدخلات البنك المركزي الصيني غالبًا ما تكون فعالة في استقرار العملة. فنيًا، يتداول الزوج بين 7.23 و7.26، مع مقاومة واضحة أمام الاختراق، مما يعكس تردد السوق في ارتفاع الدولار.

الدولار مقابل الين الياباني (USD/JPY): ضغط هبوطي واضح

ارتفاع الأجور اليابانية (بنسبة 3.1%، وهو أعلى مستوى منذ 32 عامًا) يخلق مساحة لمزيد من رفع الفائدة من قبل بنك اليابان. من المتوقع أن يتجه الزوج نحو الهبوط، وإذا كسر مستوى 146.90، فهناك احتمال لمزيد من الانخفاض. هذا يشير إلى أن ارتفاع الدولار مقابل الين يصعب تحقيقه، وقد يتعرض لضغوط.

الدولار الأسترالي مقابل الدولار (AUD/USD): مرونة قوية

الاقتصاد الأسترالي قوي، مع نمو الناتج المحلي الإجمالي المتوقع وتسجيل أعلى فائض تجاري، وسياسات البنك المركزي الحذرة في خفض الفائدة، تدعم العملة. كما أن التيسير النقدي من قبل الاحتياطي الفيدرالي يقلل من عوائد الدولار، مما يعزز انتعاش AUD/USD. هذا يعني أن ارتفاع الدولار يواجه مقاومة في السوق الأسترالي.

استراتيجيات تداول الدولار في 2026: كيف تربح من التقلبات

استنادًا إلى التحليل أعلاه، فإن مستقبل ارتفاع الدولار ليس واعدًا، بل يواجه ضغوطًا متعددة. لذلك، يتعين على المتداولين تعديل استراتيجياتهم وفقًا للظروف.

استراتيجية قصيرة الأمد (الـ2-3 أشهر القادمة): التداول في النطاق

يمكن للمتداولين المتهورين الاعتماد على التحليل الفني لاغتنام الفرص قصيرة المدى: شراء وبيع عند مستويات دعم مؤشر الدولار (مثل 95-100)، باستخدام مؤشرات مثل MACD وFibonacci Retracement لالتقاط إشارات الانعكاس. في حال صدور بيانات توظيف قوية أو تصاعد التوترات الجيوسياسية، قد يحدث ارتفاع مؤقت للدولار، وهو فرصة للدخول.

أما المتحفظون، فيفضلون الانتظار حتى تتضح إشارات السياسة من الاحتياطي الفيدرالي قبل اتخاذ مواقف.

استراتيجية متوسطة إلى طويلة الأمد (أكثر من 6 أشهر): التحول تدريجيًا إلى الأصول غير الأمريكية

مع تعمق دورة خفض الفائدة، تضعف أساسات ارتفاع الدولار. من الحكمة أن يفكر المستثمرون في:

  • تقليل مراكز الشراء على الدولار تدريجيًا، وزيادة مراكز العملات الأخرى مثل الين والأسترالي
  • تخصيص أصول مرتبطة بالسلع الأساسية (كالذهب والنحاس)، التي تؤدي أداءً أفضل عند تراجع الدولار
  • متابعة انتعاش منطقة اليورو وفرص الأسواق الناشئة

إدارة المخاطر والانضباط

سيصبح تداول الدولار في 2026 أكثر اعتمادًا على البيانات والأحداث، مع تقلبات عاطفية كبيرة. لذلك، يجب أن تستند الاستراتيجيات الناجحة إلى أساسين: الالتزام الصارم بوقف الخسائر، والقدرة على التقاط البيانات الاقتصادية بشكل حاد. لا تلاحق التقلبات قصيرة المدى على حساب الاتجاهات طويلة المدى، فارتفاع الدولار رغم فرصه، غير مرجح بشكل كبير، ويجب أن يستعد المستثمرون لاحتمال تراجع الدولار على المدى الطويل.

شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
  • أعجبني
  • تعليق
  • إعادة النشر
  • مشاركة
تعليق
0/400
لا توجد تعليقات
  • Gate Fun الساخن

    عرض المزيد
  • القيمة السوقية:$2.47Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.43Kعدد الحائزين:2
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.44Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$0.1عدد الحائزين:1
    0.00%
  • القيمة السوقية:$2.43Kعدد الحائزين:1
    0.00%
  • تثبيت