الكثير من الناس بعد فترة من التداول في سوق الأسهم، يسمعون كلمة “عقود المستقبل” أو “الفوركس”. يقول البعض إنه يمكن أن يحقق أرباحًا ضخمة بمبالغ صغيرة، بينما يقول آخرون إنه يحمل مخاطر هائلة، وإذا لم تكن حذرًا قد تخسر كل رأس مالك. فماذا يعني العقود المستقبلية بالضبط؟ لماذا يحقق البعض ثروات من خلالها، بينما يخسر آخرون بشكل كارثي؟ ستقوم هذه المقالة بتحليل عميق للمنطق الأساسي، وطرق التداول، وإدارة المخاطر المرتبطة بالعقود المستقبلية، لتفهم من الصفر إلى الاحتراف هذا الأداة الاستثمارية الغامضة.
جوهر العقود المستقبلية: عقد يلتزم بالمستقبل
إذا شرحتها بأبسط صورة، فهي عقدٌ يتفق فيه طرفان على أن يتبادلا شيئًا معينًا بسعر محدد في وقت معين في المستقبل.
هذا المفهوم نشأ أصلاً في المجتمع الزراعي. تخيل أن مزارعًا يزرع في الربيع ويواجه مشكلة: لا يعرف سعر الحصاد في الخريف. إذا كانت المحاصيل وفيرة، فإن الأسعار ستكون منخفضة جدًا لدرجة أن لا أحد يريد الشراء؛ وإذا كانت المحاصيل ضعيفة، فإن الأسعار ستكون مرتفعة جدًا بحيث لا يستطيع أحد الدفع. لتجنب هذه المخاطر، اخترع الطرفان حلاً: قفل السعر مسبقًا. يتفق المزارع والتاجر على أن “تدفع لي الآن عربونًا، وفي الخريف أبيعك Y طن من الحبوب بسعر X”. هكذا يضمن المزارع دخلاً، ويتجنب التاجر مخاطر تقلبات الأسعار. هذا هو أصل العقود المستقبلية.
وفي العصر الحديث، تطورت العقود المستقبلية إلى أدوات مالية مشتقة، ويمكن أن يكون موضوعها أي شيء: المنتجات الزراعية، المعادن، الطاقة، أسعار الصرف، وحتى مؤشرات الأسهم. تعتبر عقود مؤشر S&P 500، النفط، والذهب من أكبر أنواع العقود تداولًا على مستوى العالم.
الجانب المذهل في العقود المستقبلية هو: لا تحتاج إلى دفع كامل قيمة السلعة، بل فقط هامش ضمان صغير للتحكم في العقد بأكمله. على سبيل المثال، عقد نفط بقيمة 100,000 يوان، قد تحتاج فقط إلى دفع 5,000 إلى 10,000 يوان كهامش لفتح الصفقة. هذه هي قوة الرافعة المالية.
كيف تربح من العقود المستقبلية: قوة ومخاطر التداول بالرافعة
الرافعة المالية هي أكثر ما يجذب الناس في العقود المستقبلية، وأيضًا أكثر ما يجعلها خطيرة.
منطق الربح عند الشراء (الشراء على المكشوف) بسيط جدًا: تتوقع أن سعر السلعة سيرتفع، فتشتري عقدًا مستقبليًا. إذا كنت تعتقد أن سعر النفط سيرتفع من 60 دولارًا إلى 70 دولارًا للبرميل، فستشتري عقد نفط CME. بعد عشرة أيام، ارتفع السعر إلى 70 دولارًا، وتقوم ببيع العقد لتحقيق الربح من الفرق. وإذا استخدمت الرافعة، فإن أرباحك ستتضاعف.
منطق الربح عند البيع (البيع على المكشوف) هو عكس ذلك: تتوقع أن ينخفض سعر السلعة، فتبيع عقدًا مستقبليًا، وعندما ينخفض السعر، تشتريه مجددًا (تغطي مركزك) وتحقق الربح من الفرق. على سبيل المثال، إذا توقعت أن سوق الأسهم الأمريكية سينخفض بسبب رفع الفائدة، يمكنك بيع عقود مؤشر داو جونز، وإذا انخفض السوق فعلاً، فإن مركزك سيكون رابحًا.
هذه ميزة كبيرة للعقود المستقبلية مقارنة بأسهم الأسهم — يمكنك الربح سواء ارتفع السعر أو انخفض. أما في الأسهم، فالبيع على المكشوف يتطلب اقتراض الأسهم ودفع رسوم، وهو أكثر تعقيدًا.
لكن هناك فخ: الرافعة سيف ذو حدين. إذا كانت توقعاتك خاطئة، فإن خسائرك ستتضاعف. على سبيل المثال، إذا استخدمت رافعة 1:1 في شراء الأسهم، وخسرت 50%، فستخسر كل رأس مالك. أما مع رافعة 50 ضعفًا في العقود المستقبلية، فخسارة 1% قد تؤدي إلى إغلاق حسابك (إجبارك على تصفية المركز). والأسوأ من ذلك، إذا كانت تقلبات السوق عنيفة جدًا، قد تتراكم عليك ديون للوسيط.
الفرق بين العقود المستقبلية والسلع الفورية
إذا كنت قد استثمرت في الأسهم، فالسوق الفورية واضح: أنت تشتري الأسهم أو العملات الرقمية أو غيرها من السلع الموجودة، ويمكنك البيع في أي وقت، بدون قيود زمنية.
أما العقود المستقبلية فهي مختلفة تمامًا، وهناك ثلاثة فروقات رئيسية:
متطلبات رأس المال: شراء السلع الفورية يتطلب دفع كامل السعر. على سبيل المثال، شراء 1000 سهم من أبل بسعر 100 دولار للسهم يتطلب 100,000 دولار. أما العقود المستقبلية، فهي تتطلب فقط هامش ضمان، والذي عادة يكون 5-10% من قيمة الأصل. فمثلاً، لشراء 1000 سهم من أبل عبر عقد مستقبلي، قد تحتاج فقط إلى 5,000 إلى 10,000 دولار.
القيود الزمنية: السوق الفورية لا تنتهي، ويمكنك الاحتفاظ بالمركز إلى الأبد. أما العقود المستقبلية ف لها تاريخ استحقاق محدد، مثل عقد مارس، الذي يجب تسويته في مارس، ولا يمكن الاحتفاظ به بلا نهاية. هذا يعني أنه يجب عليك اتخاذ قرار قبل تاريخ الاستحقاق — إما تصفية المركز لتحقيق الربح أو الخسارة، أو التسليم الفعلي أو التسوية النقدية.
مرونة التداول: السوق الفورية تقتصر على الشراء (الشراء ثم البيع)، بينما العقود المستقبلية تتيح البيع والشراء على حد سواء (البيع على المكشوف والشراء). بالإضافة إلى ذلك، فإن مواصفات العقود المستقبلية موحدة، مثل حجم العقد، الحد الأدنى للتقلبات السعرية، وطريقة التسوية، ولا يمكن التفاوض عليها.
كيف تبدأ التداول بشكل صحيح للمبتدئين
إذا قررت دخول سوق العقود المستقبلية، فهناك 8 خطوات لا غنى عنها:
الخطوة الأولى: بناء فهم أساسي للعقود المستقبلية
العقود المستقبلية تختلف تمامًا عن الأسهم. لها تاريخ استحقاق، وتستخدم الرافعة، ويمكن أن تتداول في اتجاهين، وتتطلب هامش ضمان. هذه الخصائص تجعلها مليئة بالفرص، ولكنها أيضًا محفوفة بالمخاطر. يجب على المبتدئ أن يفهم جيدًا هذه الخصائص، وألا يتبع الحشود بشكل أعمى.
الخطوة الثانية: تقييم نمط تداولك
هل أنت مستثمر طويل الأمد أم متداول قصير المدى؟ هذا يحدد ما إذا كان عليك استخدام العقود المستقبلية. المستثمرون على المدى الطويل قد لا يكونون مناسبين للعقود المستقبلية، لأنها تتطلب إدارة تاريخ الاستحقاق، وبدلاً من ذلك يمكن استخدامها للتحوط (مثل امتلاك سهم وتوقع هبوط السوق، فيمكنك البيع على المكشوف لمؤشر السوق كتحوط). أما المتداولون القصيرون، فيمكنهم الاستفادة من الرافعة والمرونة في الاتجاهين.
الخطوة الثالثة: اختيار وسيط مرخص وموثوق
العقود المستقبلية تصدر عن البورصات، وأهمها: CME (شيكاغو)، NYMEX (نيويورك)، COMEX (نيويورك)، وسوق سنغافورة. يحتاج المستثمرون الأفراد إلى وسيط للمشاركة. عند الاختيار، تأكد من: هل هو مرخص وموثوق، هل المنصة مستقرة، هل الفروقات السعرية معقولة، هل الدعم الفني جيد، وهل يوفر موارد تعليمية.
الخطوة الرابعة: التدريب على حساب تجريبي
تقريبًا جميع المنصات توفر حسابات تجريبية مجانية. يُنصح بشدة أن تتدرب على حساب وهمي قبل استخدام أموال حقيقية، للتحقق من أن استراتيجيتك مربحة، وليس مجرد حبر على ورق.
الخطوة الخامسة: تحديد الأصول التي ستتداولها
أشهر أنواع العقود المستقبلية تشمل: مؤشرات الأسهم (S&P 500، ناسداك 100، داو جونز)، أسعار الفائدة (السندات الحكومية)، الحبوب (القمح، الذرة، الصويا)، المعادن (الذهب، الفضة، النحاس)، الطاقة (النفط، البنزين، الغاز الطبيعي)، السلع اللينة (القطن، القهوة، السكر). للمبتدئين، يُفضل البدء بالأصول ذات السيولة العالية وسهولة الفهم، مثل مؤشرات الأسهم.
الخطوة السادسة: التمويل ووضع خطة تداول
بعد فتح الحساب، يلزم إيداع هامش ضمان. تختلف متطلبات الهامش حسب الأصل، فمثلاً، لعقد مؤشر S&P 500 المصغر، قد تحتاج بضع مئات من الدولارات، ولعقد النفط، تحتاج عدة آلاف. قبل الإيداع، تأكد من معرفة الحد الأدنى للهامش المطلوب.
الأهم، أن تضع خطة تداول قبل أن تبدأ: متى تدخل، عند أي سعر تخرج، عند أي سعر تحقق الربح، وعند أي سعر تتوقف عن الخسارة. لا تتوقع أن “تنتظر حتى يربح”، لأن تقلبات السوق سريعة جدًا، وإذا لم تكن حذرًا، قد يتحول الربح إلى خسارة.
الخطوة السابعة: تحديد توقيت الدخول الصحيح
للمتداولين القصيرين، من الأفضل الدخول قبل بداية موجة فنية قوية، وتجنب الدخول المبكر الذي قد يتعرض للاختلاط والتذبذب. للمستثمرين على المدى الطويل، يُنصح بالاعتماد على التحليل الأساسي والظروف الاقتصادية.
الخطوة الثامنة: تنفيذ الخطة والالتزام الصارم بوقف الخسارة
هذه هي الاختبار الحقيقي لصلابة النفس. عندما تفتح مركزًا، وإذا تحرك السوق في الاتجاه المربح، قد تتملكك رغبة في الانتظار لمزيد من الأرباح. وإذا تحرك السوق ضدك، قد تتملكك رغبة في التمسك، وتفقد السيطرة على الأمر. النتيجة: أرباح صغيرة تتحول إلى خسائر كبيرة، وخسائر صغيرة تتفاقم وتؤدي إلى تصفية حسابك.
الالتزام الصارم بنقاط وقف الخسارة هو أهم قاعدة في تداول العقود المستقبلية. بدونها، حتى أعظم الرافعات ستقودك إلى الإفلاس.
الاتجاهان الربحيان في العقود المستقبلية: الشراء والبيع على المكشوف
مثال على الشراء (الشراء على المكشوف)
افترض أنك تتابع أن الاحتياطي الفيدرالي سيضخ سيولة لإنعاش السوق، وتعتقد أن سوق الأسهم الأمريكية ستقفز بشكل كبير. يمكنك شراء عقود مؤشر S&P 500 أو داو جونز (وهي عقود صغيرة تقدمها CME). إذا ارتفعت السوق بنسبة 20%، فمركزك سيرتفع، وإذا استخدمت رافعة 5 أضعاف، فإن أرباحك ستتضاعف إلى 100%.
مثال على البيع على المكشوف
افترض أنك تتابع أن رفع الفائدة سيؤدي إلى هبوط السوق، وتريد أن تبيع عقود مؤشر S&P 500. إذا انخفض السوق فعلاً بنسبة 10%، فإن مركزك سيكون رابحًا. أو إذا كنت تتوقع أن الذهب سيرتد، يمكنك بيعه الآن، وعندما ينخفض السعر، تشتريه مجددًا لتحقيق الربح.
هذه هي روعة العقود المستقبلية — نفس الأصل، يربح عندما يرتفع، ويربح عندما ينخفض.
المخاطر التي لا يجب تجاهلها واستراتيجيات التعامل معها
لو كانت العقود المستقبلية مجرد فوائد، لكانت مجرد آلة لطباعة النقود. لكن الحقيقة أن هناك مخاطر رئيسية:
مخاطر الرافعة المالية هي القاتل الأول. الرافعة تتيح لك تحقيق أرباح كبيرة بمبالغ صغيرة، لكنها أيضًا تجعل تقلبات السعر تؤدي إلى تغييرات هائلة في حسابك. على سبيل المثال، مع رافعة 20 ضعفًا، تحرك السعر بنسبة 5% فقط، ستخسر أو تربح 100% من رأس مالك. ولهذا، كثير من المتداولين ينتهي بهم الأمر إلى تصفية حساباتهم.
المسؤولية غير المحدودة تجهلها الكثير من المبتدئين. في الأسهم، الحد الأقصى للخسارة هو رأس مالك. أما في العقود المستقبلية، فبسبب استخدام الرافعة، قد تتجاوز خسارتك قيمة الهامش، وتصبح مدينًا للوسيط. على سبيل المثال، إذا استثمرت 1000 دولار كهامش، وشراء عقد بقيمة 20,000 دولار، وحدثت حركة عكسية قوية، قد تتراكم عليك خسائر تصل إلى 2000 دولار، وتصبح مدينًا للوسيط.
مخاطر السيولة أيضًا مهمة. ليست كل العقود ذات سيولة عالية. العقود غير السائلة تتسم بفروقات سعرية واسعة، وقد تشتري بسعر أعلى وتبيع بسعر أدنى، مما يقلل من أرباحك أو يزيد من خسائرك.
المخاطر النفسية هي أكبر عدو خارجي. بسبب سرعة التقلبات والرافعة، تتولد مشاعر الجشع والخوف بشكل كبير. الجشع يدفعك لزيادة حجم الصفقة، والخوف يجعلك تخرج قبل الوقت المناسب، مما يؤدي إلى خسائر أكبر.
استراتيجيات التعامل مع المخاطر:
السيطرة على الرافعة المالية، بحيث لا تتجاوز 10-20 ضعفًا في الأصول ذات التقلبات العالية.
وضع أوامر وقف خسارة قبل الدخول، والالتزام بها بشكل صارم.
التداول في الأصول ذات السيولة العالية، وتجنب العقود غير السائلة.
عدم استثمار أكثر من 20% من رأس مالك في صفقة واحدة.
مراجعة وتقييم كل صفقة بشكل دوري، وتوثيق الأسباب والنتائج، لتحسين استراتيجيتك.
الاختيارات المتقدمة: فهم العقود مقابل الفروقات (CFD)
عندما تتقن العقود المستقبلية، ستكتشف أداة متقدمة تسمى عقود الفروقات (CFD). وهي أدوات تداول بالرافعة، أكثر مرونة، وتناسب المستثمرين الأفراد.
خصائص CFD
لا يوجد تاريخ استحقاق، ويمكن الاحتفاظ بها إلى أجل غير مسمى، مما يحل مشكلة التسوية والتداول المستمر.
تتوفر فيها مجموعة واسعة من الأصول: الأسهم، العملات، العملات الرقمية، المؤشرات، السندات، وغيرها، مع خيارات أكثر من العقود المستقبلية.
الرافعة المالية والهوامش مرنة جدًا، حيث يمكن اختيار حجم الصفقة (من 0.01 إلى 30 عقدًا)، وتحديد الرافعة حسب رغبتك (من 1 إلى 200 ضعف). هذا يمنح المستثمر مرونة عالية في إدارة المخاطر.
مخاطر CFD الأساسية
مثل العقود المستقبلية، فهي تحمل مخاطر الرافعة، السيولة، والنفسية.
إذا لم تكن متمكنًا من إدارة مخاطر العقود المستقبلية، فالدخول المباشر إلى CFD قد يكون خطيرًا جدًا.
ختامًا، العقود المستقبلية ليست وسيلة لتحقيق أرباح سريعة. هي أداة مليئة بالفرص، ولكنها أيضًا محفوفة بالمخاطر. للمستثمرين ذوي الخبرة، يمكن استخدامها للتحوط وزيادة العوائد. للمبتدئين، فهي آلة تضخيم للخسائر. النجاح في سوق العقود المستقبلية يتطلب الانضباط، والالتزام الصارم بقواعد إدارة المخاطر، وبناء نظام تداول متكامل قبل أن تبدأ التداول الحقيقي. ينصح دائمًا بالبدء بحساب تجريبي، والتعلم المستمر، قبل المخاطرة بأموال حقيقية.
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
دليل المبتدئين للاستثمار في العقود الآجلة: ابدأ من الصفر وتعلم أساسيات التداول
الكثير من الناس بعد فترة من التداول في سوق الأسهم، يسمعون كلمة “عقود المستقبل” أو “الفوركس”. يقول البعض إنه يمكن أن يحقق أرباحًا ضخمة بمبالغ صغيرة، بينما يقول آخرون إنه يحمل مخاطر هائلة، وإذا لم تكن حذرًا قد تخسر كل رأس مالك. فماذا يعني العقود المستقبلية بالضبط؟ لماذا يحقق البعض ثروات من خلالها، بينما يخسر آخرون بشكل كارثي؟ ستقوم هذه المقالة بتحليل عميق للمنطق الأساسي، وطرق التداول، وإدارة المخاطر المرتبطة بالعقود المستقبلية، لتفهم من الصفر إلى الاحتراف هذا الأداة الاستثمارية الغامضة.
جوهر العقود المستقبلية: عقد يلتزم بالمستقبل
إذا شرحتها بأبسط صورة، فهي عقدٌ يتفق فيه طرفان على أن يتبادلا شيئًا معينًا بسعر محدد في وقت معين في المستقبل.
هذا المفهوم نشأ أصلاً في المجتمع الزراعي. تخيل أن مزارعًا يزرع في الربيع ويواجه مشكلة: لا يعرف سعر الحصاد في الخريف. إذا كانت المحاصيل وفيرة، فإن الأسعار ستكون منخفضة جدًا لدرجة أن لا أحد يريد الشراء؛ وإذا كانت المحاصيل ضعيفة، فإن الأسعار ستكون مرتفعة جدًا بحيث لا يستطيع أحد الدفع. لتجنب هذه المخاطر، اخترع الطرفان حلاً: قفل السعر مسبقًا. يتفق المزارع والتاجر على أن “تدفع لي الآن عربونًا، وفي الخريف أبيعك Y طن من الحبوب بسعر X”. هكذا يضمن المزارع دخلاً، ويتجنب التاجر مخاطر تقلبات الأسعار. هذا هو أصل العقود المستقبلية.
وفي العصر الحديث، تطورت العقود المستقبلية إلى أدوات مالية مشتقة، ويمكن أن يكون موضوعها أي شيء: المنتجات الزراعية، المعادن، الطاقة، أسعار الصرف، وحتى مؤشرات الأسهم. تعتبر عقود مؤشر S&P 500، النفط، والذهب من أكبر أنواع العقود تداولًا على مستوى العالم.
الجانب المذهل في العقود المستقبلية هو: لا تحتاج إلى دفع كامل قيمة السلعة، بل فقط هامش ضمان صغير للتحكم في العقد بأكمله. على سبيل المثال، عقد نفط بقيمة 100,000 يوان، قد تحتاج فقط إلى دفع 5,000 إلى 10,000 يوان كهامش لفتح الصفقة. هذه هي قوة الرافعة المالية.
كيف تربح من العقود المستقبلية: قوة ومخاطر التداول بالرافعة
الرافعة المالية هي أكثر ما يجذب الناس في العقود المستقبلية، وأيضًا أكثر ما يجعلها خطيرة.
منطق الربح عند الشراء (الشراء على المكشوف) بسيط جدًا: تتوقع أن سعر السلعة سيرتفع، فتشتري عقدًا مستقبليًا. إذا كنت تعتقد أن سعر النفط سيرتفع من 60 دولارًا إلى 70 دولارًا للبرميل، فستشتري عقد نفط CME. بعد عشرة أيام، ارتفع السعر إلى 70 دولارًا، وتقوم ببيع العقد لتحقيق الربح من الفرق. وإذا استخدمت الرافعة، فإن أرباحك ستتضاعف.
منطق الربح عند البيع (البيع على المكشوف) هو عكس ذلك: تتوقع أن ينخفض سعر السلعة، فتبيع عقدًا مستقبليًا، وعندما ينخفض السعر، تشتريه مجددًا (تغطي مركزك) وتحقق الربح من الفرق. على سبيل المثال، إذا توقعت أن سوق الأسهم الأمريكية سينخفض بسبب رفع الفائدة، يمكنك بيع عقود مؤشر داو جونز، وإذا انخفض السوق فعلاً، فإن مركزك سيكون رابحًا.
هذه ميزة كبيرة للعقود المستقبلية مقارنة بأسهم الأسهم — يمكنك الربح سواء ارتفع السعر أو انخفض. أما في الأسهم، فالبيع على المكشوف يتطلب اقتراض الأسهم ودفع رسوم، وهو أكثر تعقيدًا.
لكن هناك فخ: الرافعة سيف ذو حدين. إذا كانت توقعاتك خاطئة، فإن خسائرك ستتضاعف. على سبيل المثال، إذا استخدمت رافعة 1:1 في شراء الأسهم، وخسرت 50%، فستخسر كل رأس مالك. أما مع رافعة 50 ضعفًا في العقود المستقبلية، فخسارة 1% قد تؤدي إلى إغلاق حسابك (إجبارك على تصفية المركز). والأسوأ من ذلك، إذا كانت تقلبات السوق عنيفة جدًا، قد تتراكم عليك ديون للوسيط.
الفرق بين العقود المستقبلية والسلع الفورية
إذا كنت قد استثمرت في الأسهم، فالسوق الفورية واضح: أنت تشتري الأسهم أو العملات الرقمية أو غيرها من السلع الموجودة، ويمكنك البيع في أي وقت، بدون قيود زمنية.
أما العقود المستقبلية فهي مختلفة تمامًا، وهناك ثلاثة فروقات رئيسية:
متطلبات رأس المال: شراء السلع الفورية يتطلب دفع كامل السعر. على سبيل المثال، شراء 1000 سهم من أبل بسعر 100 دولار للسهم يتطلب 100,000 دولار. أما العقود المستقبلية، فهي تتطلب فقط هامش ضمان، والذي عادة يكون 5-10% من قيمة الأصل. فمثلاً، لشراء 1000 سهم من أبل عبر عقد مستقبلي، قد تحتاج فقط إلى 5,000 إلى 10,000 دولار.
القيود الزمنية: السوق الفورية لا تنتهي، ويمكنك الاحتفاظ بالمركز إلى الأبد. أما العقود المستقبلية ف لها تاريخ استحقاق محدد، مثل عقد مارس، الذي يجب تسويته في مارس، ولا يمكن الاحتفاظ به بلا نهاية. هذا يعني أنه يجب عليك اتخاذ قرار قبل تاريخ الاستحقاق — إما تصفية المركز لتحقيق الربح أو الخسارة، أو التسليم الفعلي أو التسوية النقدية.
مرونة التداول: السوق الفورية تقتصر على الشراء (الشراء ثم البيع)، بينما العقود المستقبلية تتيح البيع والشراء على حد سواء (البيع على المكشوف والشراء). بالإضافة إلى ذلك، فإن مواصفات العقود المستقبلية موحدة، مثل حجم العقد، الحد الأدنى للتقلبات السعرية، وطريقة التسوية، ولا يمكن التفاوض عليها.
كيف تبدأ التداول بشكل صحيح للمبتدئين
إذا قررت دخول سوق العقود المستقبلية، فهناك 8 خطوات لا غنى عنها:
الخطوة الأولى: بناء فهم أساسي للعقود المستقبلية
العقود المستقبلية تختلف تمامًا عن الأسهم. لها تاريخ استحقاق، وتستخدم الرافعة، ويمكن أن تتداول في اتجاهين، وتتطلب هامش ضمان. هذه الخصائص تجعلها مليئة بالفرص، ولكنها أيضًا محفوفة بالمخاطر. يجب على المبتدئ أن يفهم جيدًا هذه الخصائص، وألا يتبع الحشود بشكل أعمى.
الخطوة الثانية: تقييم نمط تداولك
هل أنت مستثمر طويل الأمد أم متداول قصير المدى؟ هذا يحدد ما إذا كان عليك استخدام العقود المستقبلية. المستثمرون على المدى الطويل قد لا يكونون مناسبين للعقود المستقبلية، لأنها تتطلب إدارة تاريخ الاستحقاق، وبدلاً من ذلك يمكن استخدامها للتحوط (مثل امتلاك سهم وتوقع هبوط السوق، فيمكنك البيع على المكشوف لمؤشر السوق كتحوط). أما المتداولون القصيرون، فيمكنهم الاستفادة من الرافعة والمرونة في الاتجاهين.
الخطوة الثالثة: اختيار وسيط مرخص وموثوق
العقود المستقبلية تصدر عن البورصات، وأهمها: CME (شيكاغو)، NYMEX (نيويورك)، COMEX (نيويورك)، وسوق سنغافورة. يحتاج المستثمرون الأفراد إلى وسيط للمشاركة. عند الاختيار، تأكد من: هل هو مرخص وموثوق، هل المنصة مستقرة، هل الفروقات السعرية معقولة، هل الدعم الفني جيد، وهل يوفر موارد تعليمية.
الخطوة الرابعة: التدريب على حساب تجريبي
تقريبًا جميع المنصات توفر حسابات تجريبية مجانية. يُنصح بشدة أن تتدرب على حساب وهمي قبل استخدام أموال حقيقية، للتحقق من أن استراتيجيتك مربحة، وليس مجرد حبر على ورق.
الخطوة الخامسة: تحديد الأصول التي ستتداولها
أشهر أنواع العقود المستقبلية تشمل: مؤشرات الأسهم (S&P 500، ناسداك 100، داو جونز)، أسعار الفائدة (السندات الحكومية)، الحبوب (القمح، الذرة، الصويا)، المعادن (الذهب، الفضة، النحاس)، الطاقة (النفط، البنزين، الغاز الطبيعي)، السلع اللينة (القطن، القهوة، السكر). للمبتدئين، يُفضل البدء بالأصول ذات السيولة العالية وسهولة الفهم، مثل مؤشرات الأسهم.
الخطوة السادسة: التمويل ووضع خطة تداول
بعد فتح الحساب، يلزم إيداع هامش ضمان. تختلف متطلبات الهامش حسب الأصل، فمثلاً، لعقد مؤشر S&P 500 المصغر، قد تحتاج بضع مئات من الدولارات، ولعقد النفط، تحتاج عدة آلاف. قبل الإيداع، تأكد من معرفة الحد الأدنى للهامش المطلوب.
الأهم، أن تضع خطة تداول قبل أن تبدأ: متى تدخل، عند أي سعر تخرج، عند أي سعر تحقق الربح، وعند أي سعر تتوقف عن الخسارة. لا تتوقع أن “تنتظر حتى يربح”، لأن تقلبات السوق سريعة جدًا، وإذا لم تكن حذرًا، قد يتحول الربح إلى خسارة.
الخطوة السابعة: تحديد توقيت الدخول الصحيح
للمتداولين القصيرين، من الأفضل الدخول قبل بداية موجة فنية قوية، وتجنب الدخول المبكر الذي قد يتعرض للاختلاط والتذبذب. للمستثمرين على المدى الطويل، يُنصح بالاعتماد على التحليل الأساسي والظروف الاقتصادية.
الخطوة الثامنة: تنفيذ الخطة والالتزام الصارم بوقف الخسارة
هذه هي الاختبار الحقيقي لصلابة النفس. عندما تفتح مركزًا، وإذا تحرك السوق في الاتجاه المربح، قد تتملكك رغبة في الانتظار لمزيد من الأرباح. وإذا تحرك السوق ضدك، قد تتملكك رغبة في التمسك، وتفقد السيطرة على الأمر. النتيجة: أرباح صغيرة تتحول إلى خسائر كبيرة، وخسائر صغيرة تتفاقم وتؤدي إلى تصفية حسابك.
الالتزام الصارم بنقاط وقف الخسارة هو أهم قاعدة في تداول العقود المستقبلية. بدونها، حتى أعظم الرافعات ستقودك إلى الإفلاس.
الاتجاهان الربحيان في العقود المستقبلية: الشراء والبيع على المكشوف
مثال على الشراء (الشراء على المكشوف)
افترض أنك تتابع أن الاحتياطي الفيدرالي سيضخ سيولة لإنعاش السوق، وتعتقد أن سوق الأسهم الأمريكية ستقفز بشكل كبير. يمكنك شراء عقود مؤشر S&P 500 أو داو جونز (وهي عقود صغيرة تقدمها CME). إذا ارتفعت السوق بنسبة 20%، فمركزك سيرتفع، وإذا استخدمت رافعة 5 أضعاف، فإن أرباحك ستتضاعف إلى 100%.
مثال على البيع على المكشوف
افترض أنك تتابع أن رفع الفائدة سيؤدي إلى هبوط السوق، وتريد أن تبيع عقود مؤشر S&P 500. إذا انخفض السوق فعلاً بنسبة 10%، فإن مركزك سيكون رابحًا. أو إذا كنت تتوقع أن الذهب سيرتد، يمكنك بيعه الآن، وعندما ينخفض السعر، تشتريه مجددًا لتحقيق الربح.
هذه هي روعة العقود المستقبلية — نفس الأصل، يربح عندما يرتفع، ويربح عندما ينخفض.
المخاطر التي لا يجب تجاهلها واستراتيجيات التعامل معها
لو كانت العقود المستقبلية مجرد فوائد، لكانت مجرد آلة لطباعة النقود. لكن الحقيقة أن هناك مخاطر رئيسية:
مخاطر الرافعة المالية هي القاتل الأول. الرافعة تتيح لك تحقيق أرباح كبيرة بمبالغ صغيرة، لكنها أيضًا تجعل تقلبات السعر تؤدي إلى تغييرات هائلة في حسابك. على سبيل المثال، مع رافعة 20 ضعفًا، تحرك السعر بنسبة 5% فقط، ستخسر أو تربح 100% من رأس مالك. ولهذا، كثير من المتداولين ينتهي بهم الأمر إلى تصفية حساباتهم.
المسؤولية غير المحدودة تجهلها الكثير من المبتدئين. في الأسهم، الحد الأقصى للخسارة هو رأس مالك. أما في العقود المستقبلية، فبسبب استخدام الرافعة، قد تتجاوز خسارتك قيمة الهامش، وتصبح مدينًا للوسيط. على سبيل المثال، إذا استثمرت 1000 دولار كهامش، وشراء عقد بقيمة 20,000 دولار، وحدثت حركة عكسية قوية، قد تتراكم عليك خسائر تصل إلى 2000 دولار، وتصبح مدينًا للوسيط.
مخاطر السيولة أيضًا مهمة. ليست كل العقود ذات سيولة عالية. العقود غير السائلة تتسم بفروقات سعرية واسعة، وقد تشتري بسعر أعلى وتبيع بسعر أدنى، مما يقلل من أرباحك أو يزيد من خسائرك.
المخاطر النفسية هي أكبر عدو خارجي. بسبب سرعة التقلبات والرافعة، تتولد مشاعر الجشع والخوف بشكل كبير. الجشع يدفعك لزيادة حجم الصفقة، والخوف يجعلك تخرج قبل الوقت المناسب، مما يؤدي إلى خسائر أكبر.
استراتيجيات التعامل مع المخاطر:
الاختيارات المتقدمة: فهم العقود مقابل الفروقات (CFD)
عندما تتقن العقود المستقبلية، ستكتشف أداة متقدمة تسمى عقود الفروقات (CFD). وهي أدوات تداول بالرافعة، أكثر مرونة، وتناسب المستثمرين الأفراد.
خصائص CFD
مخاطر CFD الأساسية
ختامًا، العقود المستقبلية ليست وسيلة لتحقيق أرباح سريعة. هي أداة مليئة بالفرص، ولكنها أيضًا محفوفة بالمخاطر. للمستثمرين ذوي الخبرة، يمكن استخدامها للتحوط وزيادة العوائد. للمبتدئين، فهي آلة تضخيم للخسائر. النجاح في سوق العقود المستقبلية يتطلب الانضباط، والالتزام الصارم بقواعد إدارة المخاطر، وبناء نظام تداول متكامل قبل أن تبدأ التداول الحقيقي. ينصح دائمًا بالبدء بحساب تجريبي، والتعلم المستمر، قبل المخاطرة بأموال حقيقية.